أبي حيان الأندلسي

9

البحر المحيط في التفسير

و قرأ عليّ بن أبي طالب والسلمي وابن مقسم وداود بن أبي هند عن مجاهد : ولا يأخذكم بالياء لأن تأنيث الرأفة مجاز وحسن ذلك الفصل . وقرأ الجمهور بالتاء الرأفة لفظا . وقرأ الجمهور رَأْفَةٌ بسكون الهمزة وابن كثير بفتحها وابن جريج بألف بعد الهمزة . وروي هذا عن عاصم وابن كثير ، وكلها مصادر أشهرها الأول والرأفة المنهي أن تأخذ المتولين إقامة الحد . قال أبو مجلز ومجاهد وعكرمة وعطاء : هي في إسقاط الحد ، أي أقيموه ولا يدرأ هذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما . ومن مذهبهم أن الحد في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد . وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما : الرأفة المنهي عنها هي في تخفيف الضرب على الزناة ، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الفرية والخمر ويشدد ضرب الزنا . وقال الزمخشري : والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين اللّه ويستعملوا الجد والمتانة فيه ، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده انتهى . فهذا تحسين قول أبي مجلز ومن وافقه . وقال الزهري : يشدّد في الزنا والفرية ويخفف في حد الشرب . وقال مجاهد والشعبي وابن زيد : في الكلام حذف تقديره وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطلوا الحدود ولا تقيموها . والنهي في الظاهر للرأفة والمراد ما تدعو إليه الرأفة وهو تعطيل الحدود أو نقصها ومعنى فِي دِينِ اللَّهِ في الإخلال بدين اللّه أي بشرعه . قيل : ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الحكم إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تثبيت وحض وتهييج للغضب للّه ولدينه ، كما تقول : إن كنت رجلا فافعل ، وأمر تعالى بحضور جلدهما طائفة إغلاظا على الزناة وتوبيخا لهم بحضرة الناس ، وسمى الجلد عذابا إذ فيه إيلام وافتضاح وهو عقوبة على ذلك الفعل ، والطائفة المأمور بشهودها ذلك يدل الاشتقاق على ما يكون يطوف بالشيء وأقل ما يتصور ذلك فيه ثلاثة وهي صفة غالبة لأنها الجماعة الحافة بالشيء . وعن ابن عباس وابن زيد في تفسيرها أربعة إلى أربعين . وعن الحسن : عشرة . وعن قتادة والزهري : ثلاثة فصاعدا . وعن عكرمة وعطاء : رجلان فصاعدا وهو مشهور قول مالك . وعن مجاهد : الواحد فما فوقه واستعمال الضمير الذي للجمع عائدا على الطائفة في كلام العرب دليل على أنه يراد بها الجمع وذلك كثير في القرآن . الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الظاهر أنه خبر قصد به تشنيع الزنا وأمره ، ومعنى لا يَنْكِحُ لا يطأ وزاد المشركة في التقسيم ، فالمعنى أن الزاني في وقت زناه